
.. عندما ألقيت بثقلي على الفرش المتراكمة في زاوية الخيمة لأريح جسدي المنهك .. لم يكن لي همٌّ سوى سد جوعي الذي لم تطفئ لهيبه جرعات الماء المتلاحقة .. تنهّدت .. وأخذت نفسًا عميقًا علّه يملأ جوفي ، ويسكّن جوعي ..
بتثاقل شديد التفتّ إلى الناحية الأخرى في الخيمة علّي أجد من يؤانسني أو أؤانسه .. فلمحت أحدهم عند الباب وهو يشير إليّ بيمينه أن آتي إليه .. لم أفهم لِم دعاني بهذه الطريقة ، إلا أني شعرت بشيءٍ من الأهمية في الموضوع فقمت مباشرةً إليه ..
عندما اقتربت منه همس إليّ : أفطرت ؟ ..
و بدهشةٍ كبيرةٍ من سؤاله أجبته : لا .. فقد انشغلت عن الإفطار بأداء بعض المهامّ خارج المخيم ..
عندها .. أومأ إلي أن ألحقه إلى سيارته ..
وهناك أخرج لي كيسًا قد خبأ فيه بعضًا من الأجبان المغلفة بالقصدير ، وخبزًا وقليلاً من الزيتون ..ثم قال بهدوءٍ مهذب : تفضّل .. سم الله ..
رفعت عيناي المثقلتان بعرفانه فلم تعد تنظر إلى شيءٍ سوى الأرض خجلاً منه .. وتقاصرًا أمام جميله .. وقلت : زاد الله فضلك .. وبارك فيك .. ثم انهمكت في الإفطار .. وصرت لا أدخل الإفطار فحسب إلى جوفي .. بل ألحقه بلقمٍ كبيرة من إحسان صاحبي ومعروفه .. وبقيت تلك اللقم في قلبي ما بقيت أيامي ..
...
كم يمر بنا من المواقف الشبيهة ، التي لا يخسر أصحابها شيئًا سوى القليل من الكلمات أوالأفعال الحسنة .. ولكنها تظل محفورة في ذاكرتنا ترغمنا على احترامهم وصدق محبتهم ، بل وتحفزنا إلى الوفاء لهم ورد جميلهم في أقرب فرصة تسنح لنا
وقد أُلهم من قال :
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق