السبت، 25 أكتوبر 2008

أخفياء


.. خرجت من الميضأة آخر الليل وجسمي يرتعد من شدة البرد ، قطرات الماء تكاد تتجمد على لحيتي ، وأسناني تدق بعضها البعض في سرعة الحفّار الآلي .. مسرعًا مضيت نحو الغرفة المزوّدة بما شاء الله لها من وسائل التدفئة ..

بعد أن أنهي ثلاث ركعات خفيفة ؛ سوف ألقي بنفسي على فراشي الوثير جوار المدفئة .. هكذا كنت أحدث نفسي وأنا أسرع الخطى في البيت البارد نحو الغرفة الدافئة .. ليس من عادتي القيام في هذا الوقت للصلاة والله المستعان ، لكنها الصحبة الصالحة التي كنت أرافقها .. فقد أيقظوني من نومي لكي أطلب ربي وأسأله حاجتي في هذه الساعات المباركة ..

على بعد خطوات من الغرفة التي أقصدها أفزعني صوت شهقةٍ صدرت من غرفةٍ منزوية ..

يا إلهي ! من يكون هناك ؟ وماذا يفعل في تلك الغرفة الموحشة هذه الساعة ؟

غرفة لم تكسى أرضها بفراش ولم تزين جدرانها بستار .. قد أوى إليها الصقيع والظلام وتزاحما فيها ، حتى لا تدري ما الذي ينفّرك منها ، أوحشة ظلامها ؟ أم برد صقيعها ؟

بترددٍ .. وقليل شجاعة .. تقدمت نحو تلك الغرفة.. لأعرف مصدر الصوت ، و إن كان يحتاج إلى مساعدتي أم لا ؟ ..

عندما أطللت فيها .. لم أصدق ما أرى !

(فلان) ؟

يصلي ! هنا ؟ ... في هذا المكان الموحش البارد ؟

فلان ! الذي لا يعرف بزهدٍ ولا عبادة .. يقوم الليل ؟ .. وأين ؟ .. هنا ..

لِمَ نفر من بيننا إلى هذه الغرفة الكئيبة ؟ ولماذا لا يصلي بيننا كما الآخرون ؟ .. لماذا .. وكيف .. وماذا .. انهمرت التساؤلات سريعًا .. كما تلاشت سريعًا مع هبةٍ شمالية جعلتني أركض نحو الغرفة ..

...

عندما استلقيت على فراشي .. وأحكمت غطائي .. وشعرت بالدفء يسري في سائر جسدي .. تذكرت حالي هنا وحاله هناك فانهمرت من عيني دمعة لم أستطع دفعها ..

تساءلت .. ترى أيّنا يجد المتعة الحقيقية الآن ؟ ومن منّا ذاق حلاوة الإيمان ؟ ..

أيجدها من يقاوم البرد بلحافه ومدفأتة أم من يقاومه بسجوده وركوعه وحرارة دموعه وشوقه لربه ؟

أيلتذّ بها من يخلد للنوم في الظلام أم من يقوم ويضيء بنور القرآن ظلمات صدره وقلبه ؟

كم عددت نفسي عابدًا زاهدًا .. حينما أيقظوني لهذه الركعات الثلاث (الخفيفة) والتي لم أكن لأقوم لها لو لم يوقظوني ..

أمّا هو فمنذ متى يصلي يا ترى .. ومتى سينتهي من صلاته .. وكيف كانت صلاته .؟

لست أعرف ، ولا أحد يعرف ... إنما فقط .. الله وحده يعرف .. والله وحده خير من يجزي ..

هنا عرفت أن من بيننا رجال أخفياء يخفون طاعاتهم كما نخفي معاصينا ، ويسترون حسناتهم كما نستر سيئاتنا ، فندبت حظي أن لم أكن منهم ، وإن كنت معهم ومن بينهم ..

أخفياء .. تجدهم صدفة في الزوايا المظلمة ..وتلقاهم فجأة في الغرف المنزوية .. يسكبون الدموع ، و ينشجون بخشوع ، ويتوسلون إلى الله في خضوع .. يرجون رحمته ويخشون عذابه .. ولا يرجون من مخلوق جزاءً ولا شكورًا ..

هنيئًا لهم ما أنعم الله به عليهم .. وأحسن الله عزاءنا في أنفسنا ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق