الأحد، 26 أكتوبر 2008

ومن شر حاسدٍ إذا حسد


عجبًاً لقومٍ لا يرون في الأرض إلا صخرها , ووحلها .. ولا في السماء إلا بعدها , وظلام ليلها .. بل لا يرون في الوردة الجميلة , إلا الشوكة في ساقها .. أنّى لهؤلاء أن يبدعون .. بل أنّى لهم أصلاً أن يعملون .. هم مساكينٌ وربي !! .. امتهنوا انتقاد الناس , فزين لهم الشيطان سوء أعمالهم وصدهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون .. شغلوا عن إصلاح أنفسهم , بانتقاد غيرهم .. فلا هم الذين أصلحوا أنفسهم , ولا هم أهل لأن يصلحوا غيرهم .. بهم من العيوب الظاهرة الأساسية – في الأخلاق والدين – مالا يحصيه إلا الله .. ويهربون منها لعيوب غيرهم حتى يعزوا بها أنفسهم في عيوبهم ..و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون .. إذا قيل لهم اشتغلوا بأنفسكم عن هدم غيركم قالوا إنما نبني بنقدنا .. إن رأوا قبيحاً أذاعوه وجعلوا يلوكونه صباح مساء , وأن رأوا جميلاً ستروه وجعلوا ينتقشون أقبح ما فيه بالمناقيش ليتسلوا به عن عيوبهم .. هم يغتاضون إن رأوا عملاً متقناً لأنه يظهر عورهم ويصمد لكيدهم .. هم كالذباب لا يقع إلا على أقذر ما يجد .. و والله إني عليهم من المشفقين .. فهم على أنفسهم يجنون وهم لا يعلمون .. يحاولون أن يرتقوا على أكتاف من صعدوا .. أو يسقطوهم بانتقادهم وتهميش أدوارهم .. والناس عنهم غافلون .. والقافلة تسير وإن نبحت حولها الكلاب .. حَسَن الظن يصفهم بلابسي النظارة السوداء .. وهم في الحقيقة .. أصحاب القلوب السوداء .. إذا رأيت أحداً منهم فقل بصوت خافت : بسم الله الرحمن الرحيم . قل أعوذ برب الفلق . من شر ما خلق . ومن شر غاسق إذا وقب . ومن شر النفاثات في العقد . ومن شر حاسد إذا حسد . وانفث بها على نفسك ثلاثاً ... ولا تستمع لقولهم , ولا تهمك نظراتهم سر بارك الرحمن سيرك , وأعظم بوجودهم أجرك ..

السبت، 25 أكتوبر 2008

شكرًا يونس


.. دلف إلى مكتبي .. وأنا مستغرقٌ في أداء بعض الأعمال .. بهدوءٍ ودون أن تنبس شفتاه بكلمةٍ أنزل كوب الشاي ثم قفل راجعًا من حيث أتى.. وقبل أن يخرج ، رفعت رأسي نحوه وقلت له : شكرًا يونس ..

تسمّر في مكانه برهةً ثم التفت إليّ ببطءٍ وقال : ثكرًا ؟ ..

قلت : نعم شكرًا .. ماذا في الأمر ؟

عندها اقترب مني و بدأ يحكي لي مأساة شريحةٍ من جنسه ، تعاني من قحط أفواهنا وجدب أسماعهم من مثل هذه الألفاظ ، والتي إن لم تعني لنا شيئًا فهي تعني لهم الكثير .. تعني في أقل الأحوال أننا نعتبرهم مخلوقات وليسوا جمادات .. أننا نراهم بشرًا لا بهائم أو حيوانات .. تعني احترامنا لهم وإن كانوا أقل منّا مالاً .. أو أبأس منّا حالاً ..

أدركت يوم انتهى من حديثه حجم ما تحمله نفوسنا من البخل والشح على هذه الجالية المسكينة التي كنا نعمل لديهم يومًا من الأيام ، ولم نلق منهم ما لقوه منا ..

ماذا سأخسر لو أمطرت أذنيه بوابل الشكر والثناء ، و أدركت ظمأ قلبه بقليلٍ من الاعتناء ..

منذ ذلك اليوم قررت أن أجعل شكرًا وأخواتها حاضرات على لساني أهديها لكل من ألقى منه معروفًا .. صغيرًا كان أو كبيرًا ، وحين لم أخسر شيئًا .. ربحت الكثير والكثير .. وشكرًا لله الذي علمني بيونس ..

إحسان


.. عندما ألقيت بثقلي على الفرش المتراكمة في زاوية الخيمة لأريح جسدي المنهك .. لم يكن لي همٌّ سوى سد جوعي الذي لم تطفئ لهيبه جرعات الماء المتلاحقة .. تنهّدت .. وأخذت نفسًا عميقًا علّه يملأ جوفي ، ويسكّن جوعي ..

بتثاقل شديد التفتّ إلى الناحية الأخرى في الخيمة علّي أجد من يؤانسني أو أؤانسه .. فلمحت أحدهم عند الباب وهو يشير إليّ بيمينه أن آتي إليه .. لم أفهم لِم دعاني بهذه الطريقة ، إلا أني شعرت بشيءٍ من الأهمية في الموضوع فقمت مباشرةً إليه ..

عندما اقتربت منه همس إليّ : أفطرت ؟ ..

و بدهشةٍ كبيرةٍ من سؤاله أجبته : لا .. فقد انشغلت عن الإفطار بأداء بعض المهامّ خارج المخيم ..

عندها .. أومأ إلي أن ألحقه إلى سيارته ..

وهناك أخرج لي كيسًا قد خبأ فيه بعضًا من الأجبان المغلفة بالقصدير ، وخبزًا وقليلاً من الزيتون ..ثم قال بهدوءٍ مهذب : تفضّل .. سم الله ..

رفعت عيناي المثقلتان بعرفانه فلم تعد تنظر إلى شيءٍ سوى الأرض خجلاً منه .. وتقاصرًا أمام جميله .. وقلت : زاد الله فضلك .. وبارك فيك .. ثم انهمكت في الإفطار .. وصرت لا أدخل الإفطار فحسب إلى جوفي .. بل ألحقه بلقمٍ كبيرة من إحسان صاحبي ومعروفه .. وبقيت تلك اللقم في قلبي ما بقيت أيامي ..

...

كم يمر بنا من المواقف الشبيهة ، التي لا يخسر أصحابها شيئًا سوى القليل من الكلمات أوالأفعال الحسنة .. ولكنها تظل محفورة في ذاكرتنا ترغمنا على احترامهم وصدق محبتهم ، بل وتحفزنا إلى الوفاء لهم ورد جميلهم في أقرب فرصة تسنح لنا

وقد أُلهم من قال :

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان

أخفياء


.. خرجت من الميضأة آخر الليل وجسمي يرتعد من شدة البرد ، قطرات الماء تكاد تتجمد على لحيتي ، وأسناني تدق بعضها البعض في سرعة الحفّار الآلي .. مسرعًا مضيت نحو الغرفة المزوّدة بما شاء الله لها من وسائل التدفئة ..

بعد أن أنهي ثلاث ركعات خفيفة ؛ سوف ألقي بنفسي على فراشي الوثير جوار المدفئة .. هكذا كنت أحدث نفسي وأنا أسرع الخطى في البيت البارد نحو الغرفة الدافئة .. ليس من عادتي القيام في هذا الوقت للصلاة والله المستعان ، لكنها الصحبة الصالحة التي كنت أرافقها .. فقد أيقظوني من نومي لكي أطلب ربي وأسأله حاجتي في هذه الساعات المباركة ..

على بعد خطوات من الغرفة التي أقصدها أفزعني صوت شهقةٍ صدرت من غرفةٍ منزوية ..

يا إلهي ! من يكون هناك ؟ وماذا يفعل في تلك الغرفة الموحشة هذه الساعة ؟

غرفة لم تكسى أرضها بفراش ولم تزين جدرانها بستار .. قد أوى إليها الصقيع والظلام وتزاحما فيها ، حتى لا تدري ما الذي ينفّرك منها ، أوحشة ظلامها ؟ أم برد صقيعها ؟

بترددٍ .. وقليل شجاعة .. تقدمت نحو تلك الغرفة.. لأعرف مصدر الصوت ، و إن كان يحتاج إلى مساعدتي أم لا ؟ ..

عندما أطللت فيها .. لم أصدق ما أرى !

(فلان) ؟

يصلي ! هنا ؟ ... في هذا المكان الموحش البارد ؟

فلان ! الذي لا يعرف بزهدٍ ولا عبادة .. يقوم الليل ؟ .. وأين ؟ .. هنا ..

لِمَ نفر من بيننا إلى هذه الغرفة الكئيبة ؟ ولماذا لا يصلي بيننا كما الآخرون ؟ .. لماذا .. وكيف .. وماذا .. انهمرت التساؤلات سريعًا .. كما تلاشت سريعًا مع هبةٍ شمالية جعلتني أركض نحو الغرفة ..

...

عندما استلقيت على فراشي .. وأحكمت غطائي .. وشعرت بالدفء يسري في سائر جسدي .. تذكرت حالي هنا وحاله هناك فانهمرت من عيني دمعة لم أستطع دفعها ..

تساءلت .. ترى أيّنا يجد المتعة الحقيقية الآن ؟ ومن منّا ذاق حلاوة الإيمان ؟ ..

أيجدها من يقاوم البرد بلحافه ومدفأتة أم من يقاومه بسجوده وركوعه وحرارة دموعه وشوقه لربه ؟

أيلتذّ بها من يخلد للنوم في الظلام أم من يقوم ويضيء بنور القرآن ظلمات صدره وقلبه ؟

كم عددت نفسي عابدًا زاهدًا .. حينما أيقظوني لهذه الركعات الثلاث (الخفيفة) والتي لم أكن لأقوم لها لو لم يوقظوني ..

أمّا هو فمنذ متى يصلي يا ترى .. ومتى سينتهي من صلاته .. وكيف كانت صلاته .؟

لست أعرف ، ولا أحد يعرف ... إنما فقط .. الله وحده يعرف .. والله وحده خير من يجزي ..

هنا عرفت أن من بيننا رجال أخفياء يخفون طاعاتهم كما نخفي معاصينا ، ويسترون حسناتهم كما نستر سيئاتنا ، فندبت حظي أن لم أكن منهم ، وإن كنت معهم ومن بينهم ..

أخفياء .. تجدهم صدفة في الزوايا المظلمة ..وتلقاهم فجأة في الغرف المنزوية .. يسكبون الدموع ، و ينشجون بخشوع ، ويتوسلون إلى الله في خضوع .. يرجون رحمته ويخشون عذابه .. ولا يرجون من مخلوق جزاءً ولا شكورًا ..

هنيئًا لهم ما أنعم الله به عليهم .. وأحسن الله عزاءنا في أنفسنا ..